الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
147
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
بالأوامر الامتحانية ، فرفع الحكم الامتحاني وإثباته أولا كلاهما عدل ، وسرّه اختبار سريرة المكلف من إخراج باطن أمره ، وإخراج ما فيه بالقوة إلى ما بالفعل ، فيما ترك أو امتثل فكذلك الشفاعة ، إذ من الممكن أن تكون النجاة لجميع المؤمنين مكتوبة ، ثم يجعل الأحكام بنحو الامتحان ليهلك الكافرون بكفرهم ، وأما المؤمنون فالمطيع منهم ترفع درجاته ، وأما المسيئون منهم فينالون بالشفاعة النجاة المكتوبة لهم ، وثانيا بالحل وهو أنه قد علمت آنفا أن الشفاعة ليست هي إبطال الأحكام الأولي ، بل هي في الحقيقة تحكيم لأسباب أخرى في الموضوع ، وإدخاله في موضوع آخر ، فأين هذا من المضادة حتى يقال ما قيل ؟ الاشكال الثاني : أن سنة الله تعالى جرت على صون أفعاله من التخلف والاختلاف ، فما قضى وحكم به يجريه على وتيرة واحدة من غير استثناء قال تعالى : فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا 35 : 43 ( 1 ) ومن المعلوم أن الشفاعة موجبة للاختلاف في سنته تعالى وفعله ، فإن رفع العقاب عن جميع المجرمين موجب لنقض الغرض المحال مضافا إلى أنه لعب ينافي الحكمة حكمة التشريع ، ورفع العقاب عن بعض دون بعض موجب للاختلاف في فعله أيضا ، فالقول بالشفاعة لعله مبتن على الأهواء والأوهام ، التي ربما تقضي في الحق والباطل ، وعن الحكمة والجهل على السواء ، وهو كما ترى خصوصا في حقه تعالى . والجواب عنه : هو أنه تعالى لا ريب في أن سنته واحدة ، لكن ليست وحدتها قائمة على أصل صفة واحدة من صفاته ، بل هي قائمة على ما يستوجبه جميع صفاته وهي كثيرة ، فإنه تعالى مفيض ما في الوجود من حياة أو موت أو رزق أو نعمة ، فننسبها كلها إليه تعالى ، إلا أن كل واحدة منها منسوبة إليه تعالى بنحو يخصّه ونحو يقتضيه ، لا كلها بنحو واحد ، وإلا لأوجب البطلان والهرج والمرج في الوجود ، ولبطلت الأسباب والتأثيرات المختلفة كما لا يخفى فهو الله تعالى مشفي للمريض ،
--> ( 1 ) فاطر : 43 . .